الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 56

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

اعتبار الأيمان في الرّاوى لعدم الفرق بين الفطحّى وغيره من أصناف غير الأمامىّ بالإجماع فالقول الثّانى أقرب واللّه العالم الخامس العدالة وقد وقع الخلاف تارة في موضوعها وأخرى في اعتبارها في الرّاوى في قبول خبره ومحلّ الأوّل علم الفقه وقد أوضحنا الكلام فيه في شهادات منتهى المقاصد وأثبتنا انّها عبارة عن ملكة نفسانيّة راسخة باعثة على ملازمة التّقوى وترك ارتكاب الكبائر والإصرار على الصّغائر وترك ارتكاب منافيات المروّة الكاشف ارتكابها عن قلّة المبالاة بالدّين بحيث لا يوثق منه التحرّز عن الذّنوب وانّه لا يكفى فيها مجرّد الإسلام ولا مجرّد عدم ارتكاب الكبيرة ما لم ينبعث التّرك عن ملكة ولا حسن الظّاهر فقط وانّها تنكشف بالعلم والأطمينان الحاصل من المعاشرة ومن مراجعته المعاشرين له وانّه ليس الأصل في المسلم العدالة وانّها لا تزول بارتكاب الصّغيرة مرّة من غير اصرار ولا بترك المندوبات وارتكاب المكروهات الّا ان يبلغ إلى حدّ يؤذن بالتّهاون بالسّنن والمكروهات وقلة المبالاة بالدّين وذكرنا هناك معنى الكبائر وعددها وغير ذلك ممّا يتعلّق بتحقيق موضوع العدالة وامّا حكمها المتعلّق بالمقام اعني اشتراطها في الرّاوى في قبول روايته فتوضيح القول في ذلك انّهم اختلفوا فيه على قولين أحدهما الأشتراط فلا تقبل رواية غير العدل وان حاز بقيّة الشّروط وهذا هو خيرة المعارج والنّهاية والتهذيب والمبادى وشرحه والمنية وكنز العرفان وشرح الدّراية والمعالم والزّبدة وغيرها بل في البداية انّ عليه جمهور ائمّة الحديث وأصول الفقه وفي المعالم ومحكى غاية المأمول انّه المشهور بين الأصحاب ثانيهما عدم الاشتراط وهو خيرة جمع مفترقين على قولين أحدهما حجيّة خبر مجهول الفسق وهو المنقول عن ظاهر جمع من المتأخرين ثانيهما عدم حجيّة خبر مجهول الحال بل من يوثق بتحرّزه عن الكذب خاصّة وهو خيرة الشيخ ره في العدّه حيث قال فامّا من كان مخطئا في بعض لأفعال أو فاسقا بافعال الجوارح وكان ثقة في روايته متحرزا فيها فانّ ذلك لا يوجب ردّ خبره ويجوز العمل به لأنّ العدالة المطلوبة في الرّواية حاصلة فيه وانّما الفسق بافعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره ولأجل ذلك قبلت الطّائفة اخبار جماعة هذه صفتهم انتهى وواقفه على ذلك جمع كثير من الأواخر بل لعلّه المشهور بينهم حتى تداولوا العمل بالأخبار الحسان حجّة الاوّلين هي نظير الوجوه الخمسة المتقدّمة حجّة لاشتراط الأيمان وتقرير الوجه الثاني هنا انّ الأية أمرت بالتثبّت عند خبر الفاسق فصار عدم الفسق شرطا لقبول الرّواية ومع الجهل بتحقّق الجهل بالمشروط فيجب الحكم بنفيه حتى يعلم وجود سبب انتفاء التثّبت هكذا قرّره في البداية ناقلا عن أهل القول الأوّل ثم تنظّر فيه بانّ مقتضى الأية كون الفسق مانعا من قبول الرّواية فإذا جهل حال الرّاوى لا يصحّ الحكم عليه بالفسق فلا يجب التثبّت عند خبره بمقتضى مفهوم الشّرط ولا نسلّم انّ الشّرط عدم الفسق بل المانع ظهوره فلا يجب العلم بانتفائه حيث يجهل والأصل عدم الفسق في المسلم وصحّة قوله ثم قال وهذا بعض إزاء شيخنا أبي جعفر الطّوسى فانّه كثيرا ما يقبل خبر العدل ولا يبين سبب ذلك ومذهب أبي حنيفة قبول رواية مجهول الحال محتجا بنحو ذلك وبقبول قوله في تذكية اللّحم وطهارة الماء ورقّ الجارية والفرق بين ذلك وبين الرّواية غير واضح انتهى وأقول امّا منعه كون عدم الفسق شرطا فمتين لما تقرر في محلّه من انّ الأمر العدمي لا يكون شرطا مضافا إلى انّ لسان الأية مانعيّة الفسق لا شرطيّة العدالة أو عدم الفسق ومن هنا ظهر صحّة ما ذكره من دفع المانع وهو الفسق باصالة العدم وان كان فيه ما يأتي وربما ناقش الفاضل القمّى في التمسّك بالأصل بانّ الأظهر انّ العدالة امر وجودىّ فالأصل بالنّسبة اليهما سواء مع انّه معارض بغلبة الفسق في الوجود وانّه مقتضى الشّهوة والغضب اللّتين هما غريزتان في الإنسان والرّاجح وقوع مقتضاهما ما لم يظهر عدمه وفيه انّ المتمسّك بالأصل لا يسلّم شرطيّة العدالة وانّما غرضه مانعيّة الفسق واصالة عدم المانع محكمة والظّاهر لا يعارض الأصل فلا تذهل وامّا ما ذكره من وضوح الفرق بين قبول قول المسلم في التّذكية والطّهارة ورقّ الجارية ونحو ذلك ففي محلّه أيضا ضرورة انّ قبول قوله في تلك الموارد انّما هو لقيام الدّليل المخرج عن القاعدة على حمل فعله وقوله في نحو ذلك على الصحّة مضافا إلى موافقة بعض ذلك للأصل كاصالة الطهارة واصالة حجيّة قول ذي اليد في الأخبار عمّا بيده وربّما استدل في القوانين لهذا القول باية البناء بتقريب انّ الفاسق فيها من ثبت له الفسق في الواقع لا خصوص من علم فسقه لأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة فإذا وجب التثبّت عند خبر من له هذه الصّفة في الواقع توقّف القبول على العلم بانتفائها وهو يقتضى اشتراط العدالة إذ لا واسطة بين الفاسق والعادل في نفس الأمر فيما يبحث عنه من رواة الأخبار لأنّ فرض كون الرّاوى في اوّل سنّ البلوغ مثلا بحيث لم يحصل له ملكة قبل البلوغ ولم يتجاوز عن اوّل زمان التّكليف بمقدار تحصل له الملكة ولم يصدر منه فسق أيضا فرض نادر لا التفات اليه وامّا في غير ذلك فهو امّا فاسق في نفس الأمر أو عادل والواسطة انّما تحصل بين من علم عدالته وبين من علم فسقه وهو من يشك في كونه عادلا أو فاسقا وتلك الواسطة انّما هي في الذّهن لا في نفس الأمر والواجبات المشروطة بوجود شئ انّما يتوقّف وجوبها على وجود المشروط لا على العلم بوجودها فبالنّسبة إلى العلم مطلق لا مشروط ومقتضى تعليق الحكم على المتّصف بوصف في نفس الأمر لزوم الفحص ثم العمل على مقتضاه ويؤيّده التعليل المذكور في الأية فان الوقوع في النّدم يحصل بقبول خبر من كان فاسقا في نفس الأمر وان لم يحصل العلم به فيه وامّا خبر العدل وان ظهر كذبه فيما بعد فلا ندم عليه ولا ذمّ فيه على عدم الفحص لأنّه عمل على مقتضى الدّليل ومقتضى طريقة العرف والعادة بخلاف مجهول الحال ومن حكاية التّعليل يظهر ان في صورة فرض ثبوت الواسطة أيضا لا يجوز العمل لعدم الأطمينان بخبر مثله فهو يوجب النّدم أيضا مع انّ العلم بتحقّق الواسطة متعذّر لعدم امكان العلم بانتفاء المعاصي الباطنيّة عادة هذا ما في القوانين ملخّصا وما ذكره لا باس به حجّة القول بالعمل بخبر مجهول الحال انّ اللّه تعالى علّق وجوب التثبّت على فسق المخبر وليس المراد الفسق الواقعي وان لم نعلم به والّا لزم التكليف بما لا يطاق فتعيّن ان يكون المراد الفسق المعلوم وانتفاء التّثبت عند عدم العلم بالفسق بجامع كلّا من الردّ والقبول لكن المراد ليس هو الأوّل والا لزم كون مجهول الحال أسوء حالا من معلوم الفسق حيث يقبل خبره بعد التّثبت فتعيّن الثّانى وهو القبول وردّ بان المراد بالفسق في الأية هو الفسق النّفس الأمرى لا المعلوم كما عرفت وبعد امكان تحصيل العلم به أو الظّن فلا يلزم تكليف بما لا يطاق حجّة الشّيخ ره ومن وافقه وجوه أحدها ما أشار اليه في العدّة من عمل الطّائفة بخبر الفاسق إذا كان ثقة في روايته متحرزا فيها وأجاب عنه المحقّق في المعارج اوّلا بالمنع من ذلك والمطالبة بالدّليل وثانيا بانالو سلّمناها لاقتصرنا على المواضع التّى عملت فيها باخبار خاصّة ولم يجز التّعدى في العمل إلى غيرها وزاد في المعالم تعليل الاقتصاد بان عملهم لعله كان لانضمام القرائن إليها لا بمجرّد الخبر وثالثا بان دعوى التّحرز عن الكذب مع ظهور الفسق مستبعد إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر ممّا يخرجه عن الكذب وقد وجّه الأستبعاد في القوانين بانّ الدّاعى على ترك المعصية قد يكون هو الخوف من فضيحة الخلق وقد يكون لأجل انكار الطّبيعة لخصوص المعصية وقد يكون من اجل الخوف من الحاكم وقد يكون هو الخوف من اللّه تعالى وهذا هو الّذى يعقد عليه في عدم حصول المعصية في السّر والعلن بخلاف غيره فمن كان فاسقا بالجوارح ولا يبالي عن معصية الخالق فكيف يعتمد عليه في ترك الكذب وأقول امّا انكار عمل الطّائفة باخبار غير العدول فبعيد عن الأنصاف فانّ من تتّبع كتب الحديث والرّجال والفقه وجد عملهم به في غاية الوضوح حتى انّه ره بنفسه عمل في المعتبر والشّرايع بجملة منها وامّا قصر ذلك على موارد عملهم لأحتمال كونه لأنضمام القرائن إليها فيردّه